الغزالي
99
إحياء علوم الدين
بسماع نغمات التسبيحات من آحاد الذرات ، فما له وللتردد في الفلوات ، وله غنية في ملكوت السماوات ، فالشمس والقمر والنجوم بأمره مسخرات ، وهي إلى أبصار ذوي البصائر مسافرات في الشهر والسنة مرات ، بل هي دائبة في الحركة على توالى الأوقات ، فمن الغرائب أن يدأب في الطواف بآحاد المساجد ، من أمرت الكعبة أن تطوف به ، ومن الغرائب أن يطوف في أكناف الأرض ، من تطوف به أقطار السماء ، ثم ما دام المسافر مفتقرا إلى أن يبصر عالم الملك والشهادة بالبصر الظاهر ، فهو يعد في المنزل الأول من منازل السائرين إلى الله والمسافرين إلى حضرته ، وكأنه معتكف على باب الوطن لم يفض به المسير إلى متسع الفضاء ، ولا سبب لطول المقام في هذا المنزل ، إلا الجبن والقصور ، ولذلك قال بعض أرباب القلوب : إن الناس ليقولون افتحوا أعينكم حتى تبصروا ، وأنا أقول : غمضوا أعينكم حتى تبصروا ، وكل واحد من القولين حق ، إلا أن الأول خبر عن المنزل الأول القريب من الوطن ، والثاني خبر عما بعده من المنازل البعيدة عن الوطن التي لا يطؤها إلا مخاطر بنفسه والمجاوز إليها ربما يتيه فيها سنين ، وربما يأخذ التوفيق بيده فيرشده إلى سواء السبيل والهالكون في التيه هم الأكثرون من ركاب هذه الطريق ، ولكن السائحون بنور التوفيق فازوا بالنعيم والملك المقيم ، وهم الذين سبقت لهم من الله الحسني ، واعتبر هذا الملك بملك الدنيا فإنه يقل بالإضافة إلى كثرة الخلق طلابه ، ومهما عظم المطلوب قل المساعد ، ثم الذي يهلك أكثر من الذي يملك ، ولا يتصدى لطلب الملك العاجز الجبان لعظيم الخطر وطول التعب وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام وما أودع الله العز والملك في الدين والدنيا إلا في حيز الخطر ، وقد يسمى الجبان الجبن والقصور ، باسم الحزم والحذر ، كما قيل ترى الجبناء أن الجبن حزم وتلك خديعة الطبع اللئيم فهذا حكم السفر الظاهر إذا أريد به السفر الباطن بمطالعة آيات الله في الأرض ، فلنرجع إلى الغرض الذي كنا نقصده ولنبين القسم الثاني : وهو أن يسافر لأجل العبادة إما لحج أو جهاد وقد ذكرنا فضل ذلك